سيد قطب
3395
في ظلال القرآن
تفسير هذا الوجود وارتباطاته ؛ كما يحاول الطفل الصغير حل معادلة رياضية هائلة . . وأمامي التصور القرآني واضحا ناصعا سهلا هينا ميسرا طبيعيا ، لا عوج فيه ولا لف ولا تعقيد ولا التواء . وهذا طبيعي ، فالتفسير القرآني للوجود هو تفسير صانع هذا الوجود لطبيعته وارتباطاته . . أما تصورات الفلاسفة فهي محاولات أجزاء صغيرة من هذا الوجود لتفسير الوجود كله . والعاقبة معروفة لمثل هذه المحاولات البائسة ! إنه عبث . وخلط . وخوض . . حين يقاس إلى الصورة المكتملة الناضجة ، المطابقة ، التي يعرضها القرآن على الناس ، فيدعها بعضهم إلى تلك المحاولات المتخبطة الناقصة ، المستحيلة الاكتمال والنضوج ! وإن الأمور لتظل مضطربة في حس الإنسان وتصوره ، متأثرة بالتصورات المنحرفة ، وبالمحاولات البشرية الناقصة . . ثم يسمع آيات من القرآن في الموضوع الذي يساوره . فإذا النور الهادئ . والميزان الثابت . وإذا هو يجد كل شيء في موضعه ، وكل أمر في مكانه ، وكل حقيقة هادئة مستقرة لا تضطرب ولا تمور . ويحس بعدها أن نفسه استراحت ، وأن باله هدأ ، وأن عقله اطمأن إلى الحق الواضح ، وقد زال الغبش والقلق واستقرت الأمور . كذلك يبدو أن الناس في خوض يلعبون من ناحية اهتماماتهم في الحياة . حين تقاس بالاهتمامات التي يثيرها الإسلام في النفس ، ويعلق بها القلب ، ويشغله بتدبرها وتحقيقها . وتبدو تفاهة تلك الاهتمامات وضآلتها ، والمسلم ينظر إلى اشتغال أهلها بها ، وانغماسهم فيها ، وتعظيمهم لها ، وحديثهم عنها كأنها أمور كونية عظمى ! وهو ينظر إليهم كما ينظر إلى الأطفال المشغولين بعرائس الحلوى وبالدمى الميتة ، يحسبونها شخوصا ؛ ويقضون أوقاتهم في مناغاتها واللعب معها وبها ! ! ! إن الإسلام يرفع من اهتمامات البشر بقدر ما يرفع من تصورهم للوجود الإنساني وللوجود كله ؛ وبقدر ما يكشف لهم عن علة وجودهم وحقيقته ومصيره ؛ وبقدر ما يجيب إجابة صادقة واضحة عن الأسئلة التي تساور كل نفس : من أين جئت ؟ لما ذا جئت ؟ إلى أين أذهب ؟ وإجابة الإسلام عن هذه الأسئلة تحدد التصور الحق للوجود الإنساني وللوجود كله . فإن الإنسان ليس بدعا من الخلائق كلها . فهو واحد منها . جاء من حيث جاءت . وشاركها علة وجودها . ويذهب إلى حيث تقتضي حكمة خالق الوجود كله أن يذهب . فالإجابة على تلك الأسئلة تشمل كذلك تفسيرا كاملا للوجود كله ، وارتباطاته وارتباطات الإنسان به . وارتباط الجميع بخالق الجميع . وهذا التفسير ينعكس على الاهتمامات الإنسانية في الحياة ؛ ويرفعها إلى مستواه . ومن ثم تبدو اهتمامات الآخرين صغيرة هزيلة في حس المسلم المشغول بتحقيق وظيفة وجوده الكبرى في هذا الكون ، عن تلك الصغائر والتفاهات التي يخوض فيها اللاعبون ! إن حياة المسلم حياة كبيرة - لأنها منوطة بوظيفة ضخمة ، ذات ارتباط بهذا الوجود الكبير ، وذات أثر في حياة هذا الوجود الكبير . وهي أعز وأنفس من أن يقضيها في عبث ولهو وخوض ولعب . وكثير من اهتمامات الناس في الأرض يبدو عبثا ولهوا وخوضا ولعبا حين يقاس إلى اهتمامات المسلم الناشئة من تصوره لتلك الوظيفة الضخمة المرتبطة بحقيقة الوجود « 1 » . وويل لأولئك الخائضين اللاعبين : « يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا » . . وهو مشهد عنيف . فالدعّ : الدفع
--> ( 1 ) فكرة الإسلام عن الكون والحياة والإنسان ( بحث للمؤلف يرجو أن يوفق إلى إخراجه ) .